روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
448
عرائس البيان في حقائق القرآن
الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) : يوم تحقّق حقائق الأمور عيانا ، لا يبقى فيها ريب أهل الظنون ، وينكشف الحق لأهل الحق ، ولا معارضة للنفس فيها ، ونبيّن للجاهلين أعلام ولاية العارفين . قال سهل : اليوم الذي يلحق كل أحد بعلمه . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 9 إلى 15 ] وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ( 9 ) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ( 10 ) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 ) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ( 12 ) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 15 ) قوله تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ : الإشارة فيه أنه لما أوجد اللّه الأرواح قبل الكون أتى بها شط قاموس كشف ذاته وصفاته ، فشربت الأرواح زلال أنهار القربة ، وشراب الوصلة ، وسمعت خطاب الألوهية ، وسكرت من حلاوة الجمال والجلال ، وهاجت إلى لحجها ، وكادت تستغرق وتفنى فيها حين علا عليها أمواج سطوات العزة ، ولطمات العظمة حملها اللّه هناك بعض العناية لتجري بها من الآزال إلى الآباد ، ومن الآباد إلى الآزال ، فلما دار دور الدهر الدّهار وجرى جري الفلك الدوّار وخلق الكون جعل لها سفينة صورة آدم ، وحمل بها الأرواح الغيبية الملكوتية ، فتجري بها إلى معادنها الأولية . قال القاسم : الأجسام لم تكن ، والأرواح لا تحمل الجاري ، وإنما هو جريان الحق بشرط الاتسام إذا عاينت الروح هذه المقامات عرفت سره . قال الواسطي : أحد شقي آدم ، وأخرج منه الذرية . قال : حملناكم بشواهدنا ، وأجرينا لكم الأوقات على مقاديرنا . وقال الأستاذ : ذلك منته على خواص أوليائه أن يسلمهم في سفينة العافية ، والكون يتلاطم أمواج بحار أشغالها على اختلاف أوصافها ، وهم بوصف السلامة لا منازعة مع كل واحد ، ولا محاسبة مع أحد ، ولا توقع من أحد ، سالمون من الناس ، والناس منهم سالمون . قوله تعالى : وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ( 12 ) : حقائق أسرار الخطاب لا يعلمها إلا القلوب الذاكرة ، والأرواح الشائقة ، ولا يسمع أصوات هواتفها بالحقيقة إلا سماع الأسرار من